ليس جديداً ما نشاهد اليوم من دوامة التعصب والتعنصر الهائجة بين صفوف المسلمين، وإن فاضت حجماً وازدادت عمقاً، فهذه الظاهرة القاتلة لها جذور تمتد إلى ما قبل الخليقة، حيث رفع إبليس شعار أنا خير منه، فكانت هذه الخيرية أو الأفضلية أول ولادة التعصب، ثم رفع شعار العنصرية عندما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وبهذين الهدفين سكن في الأرض، ومضى يحقق هدفه عن طريق القعود على الصراط المستقيم لإغوائهم عنه، فقام بكل جهده، وأتاهم «من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم»، وكان مسعاه وهدفه غواية الأكثرية، وطيها تحت عنصر الشر. وما نراه اليوم من اشتعال نار العنصرية ووحل طينة التعصب على الناس، ليس إلا تعبيراً عملياً عن التحكم فيهم «من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم»، ولن تجد تصويراً أروع للحالة المعاشة من هذا التصوير.
وفي تاريخ الإسلام تمكن الرسول الكريم والخالفة الراشدة من تنويم التعصب والتعنصر بـ: «ليس منا من دعا إلى عصبية، ودعوها فإنها منتنة، وأكرمكم عند الله أتقاكم، وكلكم لآدم وآدم من تراب». وعلى أنقاض العصبية والعنصرية رفع الإسلام مبدأ الأخوة المتساوية، فألف بين قلوب الناس، لكن نظام الخلافة الراشدة المدني، لم يكن قد تجذر في النفوس، ولم يكن قد أصبح سلوكاً ثقافياً، فكان سهلاً لعاصفة الانقلاب الملكي الأموي أن تنتزع بسهولة غراس رابطة الإخاء والتواد، لصالح الوراثة العنصرية الأسرية، وأن تستعيد إحياء العنصرية محصنة بـالعصبية، ومن ثم قام على هذه الأسس تاريخ المسلمين حاملاً معه تراث «أنا خير منه، وأنا من نار وهو من طين»، محطماً تراث آدم الإنساني، المتمثل في مبدأ الإخاء والتواد.
وقد لبث عنصرا الشر: العنصرية والعصبية، يتوالدان ويتضخمان جيلاً بعد جيل، يمدهما الحكام وفقهاء سلطتهم بوقود مشتعل لم يتوقف، حتى بلغا ذروة جنونهما في عصرنا المشبع بالهلاك والدمار، وبشكل لم يعهده تاريخ المسلمين أنفسهم من قبل، وأرجو ألا يعرفوه من بعد.
منذ بداية تاريخ المسلمين -إلا فترات- تحول التوأم: (طين التعصب، ونار التعنصر)، إلى رصاص تكفير قاتل، استخدمه الحكام وفقهاء سلطتهم لصالح ترسيخ الحكم الفردي الوراثي، وتحقيق أطماعه السياسية، وطموحه الشخصي، متخذاً من التكفير مجناً ضد من يقاومه فكرياً، أو يخرج عليه سياسياً. فكان التكفير هو الطريق الأقرب للتخلص من الخصوم. و ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، كما قال الله تعالى.
استهل الخوارج التكفير، منذ بداية نشأتهم، فكفروا الخليفتين الراشدين: عثمان (ت35هـ/656م) وعلي (ت40هـ/661م)، وبقية الحكام، باستثناء أميري المؤمنين عمر بن عبدالعزيز (ت101هـ/720م) وزيد بن علي (ت1 صفر122هـ/740م)، وأوجبت على نفسها الخروج عليهم، تحت هذا الشعار التكفيري المنكر، وبعد فترة يسيرة استهل معاوية بن أبي سفيان (ت60هـ/680 م) الشتم والسباب، وسال نهر التكفير جارفاً ضد كل من يخشون منه ضرراً، فلم تمضِ أعوام حتى استخدم هشام بن عبدالملك (ت125هـ/743م) تكفير كل من يؤمن بـحرية الإرادة، وبأن الإنسان مخير لا مسير، لما في هذا الفكر من خطر على ملكهم القائم على الجبرية المطلقة، فكان استخدام التكفير وسيلة قاتمة لتصفية أصحاب الفكر الحر والإرادة الحرة، فقتل كل من معبد الجهني (ت80هـ/669م) والجعد بن درهم (ت105هـ/724م) وغيلان الدمشقي (ت106هـ/742م)، وفي العهد العباسي استهل أبو جعفر المنصور (ت158هـ/775م) تكفير من سماهم «الزنادقة»، فقتل الكاتب الكبير عبدالله بن المقفع (ت141هـ/759م) وغيره، وأفرط ابنه المهدي (ت169هـ/785م) في قتل الكثيرين تحت هذ الشعار القاتل.
ولم يكن حال أتباع المذاهب أفضل من حال الحكام، وفتاوى علماء السلطة، فقد وقف معظم قادة المذاهب المتأخرين من مظالم الحكام إما صمتاً وعدم إنكار، أو تأييداً وتعضيداً، ولم يمضِ كبير وقت حتى غاصوا في موج التكفير، واستخدموه ضد بعضهم بعضاً بقوة وبعنف. وإذا كنا نفهم أطماع السياسيين وإغراقهم في استباحة الدماء، من أجل حكمهم، فإننا نجهل سبب استخدام أتباع المذاهب له بكثرة مفرطة، مع أن المفترض أن يكونوا دعاة سلام ووئام وانفتاح؛ لأنهم – كما يفترض – أيضاً أكثر الناس فهماً لرسالة التسامح في الإسلام النقي، ولكنهم تحجروا في قواقعهم، وأرادوا أن يحجُروا واسعاً، فكان التكفير وسيلة لانغلاق كل منهم في قبوه.
وهنا أطرح سؤالاً: لماذا انساقت المذاهب ذات الينابيع النقية إلى وحل التعصب ونار التعنصر، بعد أن كانت مثلاً للنقاء والصفاء؟ وفي محاولة للجواب أقول: إنه كما حدث انقلاب سياسي بالقوة على الخالفة الراشدة، حدث انقلاب على المذاهب بالإغراء، فانقلب أتـباع الإمام الأعظم أبو حنيفة (ت150هـ/767م) على مدرسة الرأي الحر، ونجح أتباع إمام السلام والتسامح في الانقلاب على داعية التسامح أحمد بن حنبل (164-241هـ/ 780-855م)، وسال التكفير على أيديهم وشاع وذاع، واستخدمه بشكل مفرط الإمام ابن تيمية (ت728هـ/1328م)، والإمام محمد بن عبدالوهاب (ت1206هـ/1791م)، وقل كذلك في بقية المذاهب التي لم تبخل باستخدام التكفير على الآخر، ولا ننسى عامل السلطة في هذا التوجه، وليس الأمر السياسي بحصر المذاهب بأربعة إلا تدجين المذاهب بصالح الحكام، ومن هنا ثبتت طاعة الحاكم طاعة مطلقة.
سؤال آخر: لماذا توسع التكفير واستعر؟ والجواب باختصار يعود إلى انقطاع الحوار العلمي بين الأطراف، وإلى أحياء التكفير ليصد عن منهج الإثراء والتفكير، وليُسهم بقوة في الانغلاق، وليس من شك أن مبدأ أنا خير منه، قد عمق لصاحبه ملكية الصواب واحتكار الحق، وبطلان ما عند الآخر، واعتبار أن ما عند الآخر ليس إلا ضلالاً مبيناً، وبهذا الفهم الظالم والمظلم قامت الأسوار المانعة، وانطلقت من خلفها قذائف التكفير والتفسيق.
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .