العدد 46

هذا العدد

في ظرف حزين مؤلم تمر به البلاد العربية، وتحت سماء تمطر لهباً، وأرض تتفجر براكين، وأبرياء يتساقطون، وأنين يتصاعد، لا يزال القائمون على «مجلة المسار» يشقون طريقهم بشجاعة نحو التنوير المتقدم والمراجعة المسؤولة، سلاحهم الكلمة الصادقة مهما كانت الصعاب، علماً منهم بأن الكلمة هي الباقية، وهي الدرع الواقي للأمة، الهادي إلى طريق المستقبل، ومن لا يملك كلمة فهو لا يملك شيئاً سوى غريزته المتوحشة. وحتى تحقيق الرسالة غايتها عليها تطهير الينابيع مما ألقي عليها من مواد التغيير والتلوين والإفساد، وعندئذ تتطهر المصبات فيشرب الناس منها ماءً أخوياً نقياً.

الفكر رسالة خالدة لا تموت ولا تفنى إلا عندما تموت الحياة نفسها، لقد اندثرت إمبراطوريات لكن فكرها بقي يسري فيها وفي أعضاء أمم أخرى. اندثرت الإمبراطورية اليونانية وبقي فكرها طوافاً في العالم، يظهر هنا وهناك إما داعماً أو موقظاً أو مستلهَما، وغابت الإمبراطورية الأموية والعباسية والفاطمية، وبقي فكر الحضارة الإسلامية يشرق هنا أو هناك من الهند وفارس وأوروبا الخ. وكذلك قل في كل فكر حضاري.

وهنا يحسن التنبيه أن الخلط بين ربط ازدهار الحضارة بالوضع السياسي نشأة ومصيراً خطأ واضح، فالقرن الرابع الهجري يعتبر ذروة الحضارة الإسلامية، في حين كان الوضع السياسي في أدنى درجات انهياره، ومن المؤكد أن الفكر الخلاق يحلق فوق كل انهيار، وأنه إذا ما توقف فإنه يعود للانطلاق بأقوى مما كان، وهنا تظهر قوة بقائه، وعدم تأثره بأي ظرف عاصف، إلا كما يتأثر الهواء النقي بهبوب عاصفة رملية ما تلبث أن تصفي نفسها، وتطهر أجواءها مما علق بها. إنها تنقية مستمرة.

وفي هذا الظرف الحزين والمؤلم ‑ الذي تمر به بلادنا والبلاد العربية، وتحت سماء تمطر لهباً، وأرض تتفجر براكين، وأبرياء يتساقطون تساقط أوراق الشجر في يوم عاصف، وأنين يتصاعد، ومناحات تصرخ، ودم يسيل‑ يشق القائمون على «مجلة المسار»طريقهم بشجاعة، وسلاحهم الكلمة الصادقة مهما كانت الصعاب، علماً منهم بأن الكلمة هي الباقية، وهي الدرع الواقي للأمة، وهي الحافظ لتراث الماضي، والهادي إلى طريق المستقبل، ومن لا يملك كلمة فهو لا يملك شيئاً سوى غريزته المتوحشة.

لقد علمنا الرسول الكريم درساً بليغاً لمعالجة مثل هذه الحالة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنْ قامَتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا» ([i]). ومن ثم فلم ولن تتوقف أقلام الفكر الحضاري الخلاق عن أداء رسالته، مهما كانت العوائق. ومن المؤكد عندي أن الوسيلة الناجحة لعلاج التخلف هي ‑ كما قلنا مراراً وتكراراً ‑ تنظيف الينابيع لكي تتطهر المصبات، وليس العكس، فليس في وسع المصبات أن تنظف الينابيع ما دامت تشكل الحوض المتلقي لا الْمُلقي.

وإذاً فلكي تحقق الرسالة الهادفة غايتها الناجحة عليها تطهير الينابيع مما ألقي عليها من مواد التغيير والتلوين والإفساد، وعندئذ تتطهر المصبات تلقائياً فيشرب الناس منها ماءً أخوياً نقياً.



([i]) عن أنس بن مالك رضي الله عنه رواه أحمد وصححه الألباني.

يأتي هذا البحث في سياق أبحاث المفكر زيد الوزير في عقائد الفرق الدينية، التي يسعى لتقديمها كما جاءت في كتبهم، عل ذلك يسهم في هدم السدود الفاصلة بين المسلمين ويخلق الألفة بعد الفرقة، والسلام بعد الاقتتال. وفي هذا البحث خلص إلى أن طائفة الموحدين الذين يسمون خطأ بالدروز، قد تعرضوا للتكفير بغياً بدون حق، وأنهم في العقائد الأساسية كسائر المسلمين.
يعد هذا المقال من البحوث المهمة التي تسعى لتنظيف الحديث النبوي من الملصقات التي نفذ من خلالها المتمذهبون والسياسيون والمشككون؛ إلى انحرافات بشعة أصبحت ديناً، أو منهجًا للتشكيك.. وفيه بين الكاتب اختلاف العلماء حول حكم الرواية بنص اللفظ أو بالمعنى، وأشار إلى حجة كل منهم، مبينا أن «القيمة المعرفية للحديث النبوي المروي بالمعنى» تختلف مراتبها ومقتضياتها فضلا عن حجيتها.
يُخلَّد الملوك بأعمالهم وكتبهم، وليس بسيوفهم، فالسيف لا يترك سوى آثار الدمار ورائحة الجثث المتعفنة، بينما القلم ينشر العلم وينفع الناس. سيظل الملك الأفضل حياً بفضل مؤلفاته وميتاً بسبب سيفه، ويعطينا كتابه فكرة عن تحول البساطة إلى فخامة، بل تأثرت بطقوس الإمبراطوريات، وهذا التحول ساهم في تفشي الطغيان والاستبداد، وأصبح التواضع والعدل استثناء في تاريخ المسلمين.
تمكن الدكتور بركات مراد في مقاله هذا عن أبي حيان التوحيدي من وضع معالم واضحة لحياته الغنية المثمرة ومعاناته المريرة، وألَـمَّ بمعالم حياة أبي حيان إلماماً ممتازاً، وقدم للقارئ صورة واضحة عن تلك النفس الحزينة المعذبة بحساسيتها المرهفة وإنسانيتها النقية، التي يئست من إصلاح مجتمعها، فأحرقت ما لديها من كتب غير عارفة بحفاوة النخبة بإنتاجها القيم، وغير عارفة بما سيكون لما بقي من كتبها من حفاوة وتكريم في المستقبل.
قدم الأستاذ الدكتور أبو بكر با قادر بحثه عن تاريخ الأسر العربية والإرث في جنوب آسيا، ليصل ما انقطع من تاريخ، ويحيي صفحات كانت مطوية عن حضرموت الحبيبة، وفي مقاله هذا المترجم نسافر معه إلى المهجر فنتعرف على مالم نكن نعرف، ونعود من الرحلة وملء أيدينا زاد علمي طيب، ولا نزال نطلب المزيد ونتأهب لسفر جديد.
كتب الدكتور محمد أحمد النهاري، عن البردوني: بشار اليمن. وإذ ترحب المسار به كاتباً مرموقاً، وناقداً حصيفاً تجد فيما كتبه واحة خضراء نأوي إليها بعد رحلة البحث العلمي المرهق في صحارى التنقيب، فنستريح فيها قليلاً كطائر حط جناحه في دوح مخضر ساعة من الزمن ثم طار، وها نحن نستريح فيها، ونستروح أنساماً منها، ونهيئ أنفسنا معه لرحلة جديدة، بل لرحلات جديدة، ونعم الرفيق رفيق الفكر الخلاق.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .