العدد 45

هذا العدد

خُصِّص هذا العدد لتناول سيرة المفكر والسياسي الكبير إبراهيم بن علي الوزير، رحمه الله، الذي وافته المنية في 28 يونيو 2014م. وافتُتح العدد بالرثاء الشعري، وقد اختيرت قصيدتان: الأولى للدكتور عبد العزيز المقالح من صنعاء، حيث عاش الفقيد معظم حياته، والثانية لعبد الكريم عبد الله نعمان من تعز، أول أرض مسّ ترابها. تأتي بعد ذلك المقالات أُقيمت لإحياء ذكراه، ثم ملف مصوّر يوثّق محطات من حياته. أمّا القسم الإنجليزي فيضم مقالين: أحدهما بقلم نجله الأستاذ محمد الرضا، والآخر للكاتب ريتشارد كرتِس نُشر في مجلة Washington Report on Middle East Affairs.

ليس من السهل أن يُكتب عن إبراهيم الوزير بعد رحيله، لا لأن الكلمات تعجز، بل لأن المعنى أثقل من أن يُختزل، ولأن الوفاء يقتضي الصدق لا الإطناب. فهذا العدد، الذي خُصِّص لذكراه، لا يرثي رجلًا غاب، بقدر ما يستحضر قيمةً أخلاقية وفكرية نادرة، عاشت بيننا ومضت كما تعيش القمم: ثابتة، عالية، ومكلفة.

كان إبراهيم الوزير أخًا رؤوفًا، ووالدًا رحيمًا، ومرشدًا هاديًا، وسندًا لمن حوله، يظلهم بجناح الرحمة وهم في بداياتهم، لا منّةً ولا استعلاء، بل إيمانًا بأن الإنسان لا يُبنى إلا بالحب والمسؤولية. غير أن هذه الصفات الإنسانية لم تكن منفصلة عن مشروعه الفكري والسياسي، بل كانت امتدادًا طبيعيًا له؛ فقد عاش كما فكر، وثبت كما كتب، ولم يغيّر قولًا ولم يبدّل عملًا، رغم الجوع، والمنفى، والتضييق، ومحاولات الإغراء، ثم محاولات الاغتيال.

لم يكن إبراهيم الوزير رجل مناصب، ولا طالب جاه، ولم يغره ما عُرض عليه في أوقات العُسر ولا في أوقات اليُسر، لأنه لم يرَ في السلطة غاية، بل كان يرى في الشورى والعدل والاختيار الشعبي جوهر أي نظامٍ يستحق أن يُسمّى جمهوريًا. ولذلك رفض الدخول في أنظمة تتزيّا بلباس الجمهورية وهي خالية من مضمونها، ودفع ثمن هذا الموقف عزلةً، وحصارًا، وتشويهًا، لكنه لم يساوم، ولم يرضخ، ولم يتراجع.

وإذا كان ثباته السياسي لافتًا، فإن تساميه الإنساني كان أبلغ. فقد نجا من الموت مرات، بالسم، وبالسلاح الأبيض، وبالرصاص، ومع ذلك لم يطالب بثأر، ولم يسعَ إلى انتقام، ولم يحمل في قلبه ضغينةً لأحد. تجاوز الأذى، وارتفع فوق الجراح، مؤمنًا بأن العنف لا يبني، وأن الكراهية لا تُنقذ وطنًا. لقد جسّد في سلوكه معنى العفو بوصفه قوة، لا ضعفًا، وموقفًا أخلاقيًا، لا حيلة اضطرار.

وحين قرر مركز التراث والبحوث اليمني إصدار هذا العدد التأبيني، لم يفرض زاوية نظر واحدة، ولم يوجّه الأقلام إلى موضوع بعينه، بل ترك للكتّاب حرية الشهادة كما رأوها. فجاءت المقالات مختلفة المشارب، متعددة المقاربات، لكنها التقت – على اختلافها – عند جوهر واحد: فرادة هذه الشخصية، ونُبلها، واستقامة مسارها، وندرة نموذجها في زمن تكثر فيه المساومات وتقلّ فيه القامات.

ولا يقف هذا العدد عند حدود التأبين، بل يتجاوز الرثاء إلى العهد؛ عهد الوفاء للفكرة التي عاش لها إبراهيم الوزير، والدفاع عن قيم الحوار، والحرية، والقانون، في بلدٍ دفع أثمانًا فادحة حين اغتيل فيه الفكر واحدًا بعد آخر. إن غياب الأجساد لا يعني غياب الرسالة، بل قد يكون بداية اتساعها.

بهذه الروح، يأتي هذا العدد: لا ليغلق سيرة، بل ليؤكد أن الطريق الذي سار فيه إبراهيم الوزير ما يزال مفتوحًا، وأن الوفاء الحقيقي ليس في البكاء على الراحلين، بل في حماية ما آمنوا به، والاستمرار فيه، مهما كان الطريق صعبًا، ومهما تكاثر المتخلّون.

سوف تعتمد المسار في ترتيب المقالات على أبجدية الكُتّاب، حيث يصعب الترتيب حسب الموضوعات؛ لأن الموضوعات تصب في خانة واحدة. وسوف تعمد أيضًا إلى وضع الرثاء الشعري في البداية؛ لأن الرثاء قديمًا كان هو المتقدم على النثر، حتى لو كانت المراثي نثرًا، فإنها تُطعَّم بالأشعار الباكية. وتريد المسار أن تتصدر المراثي هذا العدد إجلالًا وإحياءً للتراث الأدبي.

وقد اختارت لهذا العدد الخاص قصيدتين فقط: إحداهما للشاعر الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح، والثانية للشاعر المبدع عبد الكريم عبد الله نعمان؛ الأولى من صنعاء حيث عاش الفقيد نصف حياته إلا قليلًا، والثانية من تعز حيث كانت أول أرض مسّ جسمه ترابها. أما بقية القصائد فموعدها مع الكتاب الذي سيُنشر عنه قريبًا.

ثم تأتي المقالات بعد القصيدتين حسب أبجدية أسماء الكُتّاب، ثم يتبعها الملف الثالث عن الندوات التي أحيَت ذكراه، وعلى ذكراه السلام، ثم الملف الرابع: صور من حياته.

أما القسم الإنجليزي، فهناك مقالان: الأول بقلم ولده الأستاذ محمد الرضا ابن الراحل الكبير، والثاني كتبه Richard Curtiss (ريتشارد كرتس) في مجلة Washington Report on Middle East Affairs.

وأخيرًا، في هذه الافتتاحية الحزينة، تدعو أسرة المسار جميعًا، ومن أصدقائه الذين كتبوا عنه هنا وهناك، الله سبحانه وتعالى أن يبوّئك يا إبراهيم مقعد صدق عند مليك مقتدر.

رحم الله إبراهيم الوزير، وأسكنه مقعد صدق، وجعل ذكره حيًّا في الضمائر، لا في الصفحات وحدها.

خلاصة من تابين الاستاذ زيد الوزير.

مدير التحرير

لا يأتي هذا المقال بوصفه رثاءً تقليديًا، بل قراءةً واعية في تجربة الأستاذ المفكر إبراهيم الوزير، حيث امتزج الفكر بالموقف، والثبات المبدئي بالمعاناة اليومية. يتناول المقال مسيرته بوصفها نموذجًا نادرًا للاتساق بين القول والفعل، ويكشف كيف تحوّل رفضه للمساومة، وتساميِه الأخلاقي في مواجهة العنف، إلى جوهر مشروعه الفكري والإنساني، ومفتاح فهم حضوره وتأثيره.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .