قبل الدخول في تقديم هذا العدد يتوقف القلم حزيناً، وتتوقف الكلمات دامعة على رحيل ثلاثة علماء انتقلوا إلى رحاب الله بالتتابع، فما توقفت دمعة إلا وسالت حزنًا من جديد على أولئك الصاحين من عباد الله.
هؤلاء الثلاثة مثل كل واحد منهم فناً من فنون العلم، فالعلامة عبد السلام الوجيه مثًل على نحو رائع علم التحقيق، والعلامة أبو بكر الحضرمي جسَّد على نحو خاشع التصوف الإيجابي، والأستاذ الاجتماعي علي أبو الرجال رجل التوثيق على نحو علمي متكامل. ثلاثة غابوا عنا بالتتابع، فتركوا وراءهم ذكراً حسناً، سيظل عاطرًا بما عملوا أزماناً وأزماناً.
كان أولهم العلامة عبد السلام الوجيه، توفي بعد عمر حافل بالبحث والتنقيب، وعلى الرغم من مرضه الذي رافقه حيناً طويلاً من العمر، فلم يكل في طلب البحث في تسجيل الكتب من خزائن العلماء، فكان يرحل إلى مواطن متباعدة حاملًا معه مرضه وعزيمته، فزار المكتبات الخاصة، ونقل ما في كل مكتبة، وذكر محتواها، وترجم لمؤلفيها، وذكر مواطنها، وحقق كل ذلك، وطبعها في مجلدين كاملين سمّاهما «مصادر التراث في المكتبات الخاصة في اليمن»، وهو عمل لا يقوم به إلا من أعطاه الله بسطة في الجهد، وهو جهد لم يسبقه إليه أحد، وإلى ذلك قام بتحقيق عدة كتب تاريخية، مثل: كتب الإمام عبد الله بن حمزة في عدة مجلدات. والجزء الثالث من «طبقات الزيدية» في عدة مجلدات أيضًا، وتوج جهده بكتابه «أعلام المؤلفين الزيدية».
وكان يؤازره في بعض عمله الأستاذ الفاضل خالد محمد المتوكل، رعاه الله، وجعله خير خلف، وإلى جانب ذلك كتب عدة أبحاث ومقالات تصدى فيها لكثير من الكتاب.
وقد عرفته عن قرب، فعرفت أخلاقًا وتواضعًا وصبرًا على مرض طال، وأدركت عزيمته في تحقيق ما بذل نفسه له، على الرغم مما كان يعاني من المرض، صابراً محتسبًا متحملًا لا يشكو ولا يتبرم مما به من مرض إلا لخالقه. وليس من شك أن غيابه سيترك فراغًا في مجال التحقيق والتأليف، وسيفتقده العلماء والمؤرخون والأدباء، فرحمه الله ورضي عنه.
كان الراحل الثاني رجل الأخلاق، داعية السلام، العلامة الكبير الصوفي أبو بكر المحضار الحضرمي، الذي أروى النفوس الظامئة بسلسلة من المحاضرات الروحية، تصفي القلب من أكداره، وتطهر النفس من أوزارها، وتعين العقل على الخروج من ملتبساته. لم يكن لي حظ الشرف بلقياه، ولا القعود معه في محرابه، ولا الصلاة خلفه، ولكني كنت أحضر ذلك كله بوجداني، فأدخل عليه في مستشفاه الروحي، وتمتلئ أذني بما أسمع من تسبيحاته الواعظة، فتزول هموم، وتنجلي غموم، وكلما أحسست بحزن ممض، أو قلق مرير، فآوي إلى محاضراته فتبرأ الحزن والقلق، وتسكب على النفس رضاباً حلواً ينسيها ما كانت تعاني من أوجاع، وما تصالي من عذاب.
من النادر أن يلتقي الخصوم في حب إنسان، وقد ظهر ذلك يوم وفاته، حيث سالت دموع المتخاصمين عليه حزناً وفزعاً من فراقه، وإجماعًا على حبه، فاستحقق بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد “وجبت”، وذلك أنه ورد عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فمر عليه بجنازة فأثنى عليها بثناء حسن، فقال “وجبت”، ومر عليه بجنازة أخرى فأثنى عليها دون ذلك، فقال: “وجبت”، قالوا: يا رسول الله ما وجبت قال: الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه وجب، ثم قرأ: ﴿وَقُلِ اعمَلوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم وَرَسولُهُ وَالمُؤمِنونَ وَسَتُرَدّونَ إِلى عالِمِ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِما كُنتُم تَعمَلونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فقد أجمع الناس على فضائله وتقبله الله قبولًا حسنًا، والمؤمنون، ولم يُستثنَ أحد إلا من ألقي في أذنه وقر، وفي عينه غشاوة، وفي قلبه ظلمة. لقد رحل ومازال صوته أذانًا خاشعًا وترتيلًا ضارعًا يغذي الأرواح الهائمة ويهدي التائهين إلى رحاب الله، فرضوان الله عليه.
أخر الراحلين ذلك الطيف الإنساني علي أبو الرجال، الذي مر على هذه الأرض مرور النسيم بين عواصف وأعاصير، فكان عطره يتصاعد فوق كل حريق، ويتعالى فوق كل لهب. مرَّ في حياته الطويلة كما تمر مواكب العطور، لم يؤذِ أحدًا، ولم يختلف مع أحد، وعايش الناس على مختلف أهوائهم ونوازع ميولهم، وخدم أمته بما يقدر عليه.
عرفته مبكرًا أثناء إنشاء “حزب الشورى” في أيام الإمام أحمد، وكنا -هو والإخوة “قاسم بن علي الوزير” و”طه مصطفى” و”عبد الكريم الغسَّالي” و”محمد الشاطبي” وغيرهم من الشوريين- نجتمع كثيرًا في بيتنا وفي أماكن مختلفة، نناقش ما يجب علينا فعله من أجل أمتنا ومستقبلها.
وكانت لنا إسهامات في هذا المضمار، ثم ضربت الأيام ضربتها، فتغرب من تغرب، وتغيرت ظروف، وتبدلت أحوال، وتغيرت أخلاق كثيرين، فمنهم من استمر على وفائه، وكثير بدل تبديلًا، أما هو فبقي محافظًا على موقفه، ثابتًا عليه، صديقًا دائماً، وفياً دائماً، لم تفارقه بسمته الصافية، ولا علا محياه تقطيب عابس، حتى لحق بربه راضيًا مرضيًا.
وشغل المغفور له وظائف كثيرة، فلم يغره منصب، ولم تعلُ عليه رتبة، بل كان هو المتعالي على الصغائر، كان في الوظيفة أو خارجها، هو هو أبو الرجال الذي لم يتغير. وتوج حياته الحافلة بعمل مهم للغاية، وهو تأسيس مركز للوثائق جمع فيه كل ما عثر عليه، ودعمه بالاتصال بمراكز التوثيق العلمية.كل ذلك في صمت لم يتخذ من ماله شهرة، ولا طلب صيتًا، وإنما عمل في هدوء وبإخلاص متفانٍ قل له النظير.
كنت أتزاور معه عندما أحل بصنعاء، وأتكاتب معه عندما أكون بعيدًا عنه وعنها حتى آخر أيامه. وكان آخر عهدي به كتابيًا قبيل رحيله بأيام قلائل، وفجعت عندما طوى البحار، وجاءني نعيه، فيا ويحه من نعى! ولم أفزع بآمالي إلى إنكاره، كما فزع المتنبي، فأخباره اليومية كانت تصل بتدهور صحته وخطورتها، ومع ذلك فلما جاءني خبر انتقاله إلى رحاب الله، جزعت فعلًا، وأصابني حزن عميق.
رحم الله الثلاثة الأعلام، وأوسع نعيمهم، وجبر قلوب المؤمنين على مصابهم، فهم العلماء.. وعزاء يا يمن وصبرًا.
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .