من أهم مبادئ «مجلة المسار» السعي الدؤوب والموضوعي نحو تفكيك ما بناه التعصب المذهبي -عبر عصور طوال- من أسوار أقاموها وأفرغوا عليها من زبر الحديد قطرًا ما استطاع المصلحون لها نقبًا، وقدر لها أن تقيم بين المدارس الإسلامية حواجز يحتمي خلفها التعصب، وترسل سهام التكفير ضد بعضها بعضًا وضد الاتجاهات العقلية بكل ما أوتيت من قوة، حتى تم لها انتصار «الفقه» على «الفكر» بشكل تام، فكان ذلك التعصب من أخطر العوامل التي تسببت في تشويه «الحضارة الإسلامية»، وماتزال حتى اليوم تشكل عائقًا في إحيائها. وليس صعباً أن يلحظ المؤرخ نمو ذلك التعصب من خلال مراحل أربع، كما يبدو لي الآن:
المرحلة الأولى مرحلة المدارس المختلفة الباقات، والتي مثلت -على شكل رائع- نمو الثمار المعرفية، في جو من التسامح والتعاون منقطع النظير، وهي الفترة التي كانت تسمى «مدرسة الرأي» و«مدرسة الحديث» و«مدرسة الفقه»، وكان الاختلاف بينها البين يمثل التنوع والخصب والنماء، الأمر الذي توسعت فيه المدارس كثيرًا.
ثم حلت المرحلة الثانية عندما سمت إحدى تلك المدارس نفسها «أهل السنة» للوقاية من أفكار المعتزلة العقلية، بعدما احتدم الجدل في بعض المسائل بين مدرسة «الدراية» ومدرسة «الرواية»، ولم تكن تلك التسمية يومها مقابل «الشيعة» كما هي عليه الآن.
ثم جاءت المرحلة الثالثة عندما حصرت جرة قلم خليفة خليع، المدارس الفقهية بأربع فقط. ولست أملك بدقة معرفة الزمن الذي ألغي فيه اسم «المدارس» ليحل محله اسم «المذاهب»، ولكني أظن -بدون قطع- أن تسميتها «مذاهب» كانت بعد حصرها، وأن هذه التسمية كانت المدماك الأول في بناء سور التعصب، المقيت، ليس بين ما يسمى سنة وشيعة فحسب؛ وإنما بين المذاهب الأربعة نفسها، حيث ما لبثت أن كفّرت بعضها بعضًا، وبلغ التكفير أوجه بين المذاهب الأربعة على يدي رجلين يتبعان رجل السلام والحوار الإمام العظيم «أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م)» هما: العلامة ابن تيمية (728هـ/1328م)، والعلامة محمد بن عبد الوهاب (آخر 1206هـ/1792م). واللافت للنظر أن انقلابًا كاملًا وناجحًا على رجل السلام والحوار أحمد بن حنبل، قد تم من قِبَل أتباعه، فبدلوا سلوكه تبديلًا.
وفي العصر الحديث تماهت «المذاهب» بـ«الأحزاب» الشمولية، فأضاف إلى «التمذهبِ» «التحزبَ»، فتَحَجّر وحَجر.
ويبدو أن التعصب قد أصبح بمثابة دين لا يجوز التخلي عنه، حتى لو وجد من دعا إلى حرية الاختلاف من مصدر قوي؛ فإن التعصب يرفض حتى تليينه؛ ألمس ذلك عندما أصدر الخليفة الفيلسوف الفاطمي «الحاكم بأمر الله» بيان التسامح الذي أصدره في رمضان 398هـ يونيو-يوليو 1001م، ليقرأ في كل مكان، وقال فيه بعد البسملة: «من عبد الله ووليه الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، إلى كل حاضر وباد، أما بعد، فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آيةً من كتاب الله ﴿لَا إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، مضى أمس بما فيه، وجاء اليوم بما يقتضيه، الصلاح والإصلاح بين الناس أصلح، والفساد بينهم مستقبح.
ألَا من شهد الشهادتين أحق ألا تنفك له عروة، ولا توهن له قوة، بـ”حي على خير العمل“ يؤذن المؤذنون، ولا يؤذنون، ويخمس المخمسون، ويربع المربعون في الصلاة على الجنائز، ولا يُعترض على ”أهل الرؤية“ في ما هم عليه صائمون، ولا يُشتم السلف، ولا يبغي الخالف على من قبله خلف، ﴿تِلۡكَ أُمَّةٌ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. معشر المؤمنين: نحن الأئمة وأنتم الأمة، ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا یَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَیۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعًا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]. والحمد لله رب العالمين، وصلاته على رسوله سيدنا محمد وآله الأكرمين».
هذا الدستور الرائع لو اتبع لما بقي للتعصب المذهبي وجود، أو على الأقل ضعف إلى حد بعيد، ولكن المذاهب الأخرى لم تحسن تقبله، لأنها نظرت إلى «الحاكم» من خلال تعصبها المذهبي، ولم تنظر إلى ما قال، ولم يلامس ذلك الدستور أسماعهم، فظلوا في طُغْيَانِهِمْ يعمهون.
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .