يفتتح هذا العدد من «مجلة المسار» على نبرة وفاءٍ إنساني وفكري، باستحضار سيرة عالمٍ ومفكّرٍ استثنائي، هو طه جابر العلواني، الذي شكّل رحيله خسارة فادحة في زمن يضطرب فيه الفكر، ويشتد فيه التطرف والتمذهب، وتشتد الحاجة إلى العقل المستنير والأخلاق العليا. لم يكن الراحل فقيهًا أو مفسرًا فحسب، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا، وفيلسوفًا من طراز فريد، تخصّص في ما يمكن تسميته بـ«رسالة الفكر القرآني الكونية»، متجاوزًا حدود التجديد التراثي إلى آفاق الإبداع الفكري المرتبط بالزمن والإنسان والكون.
وقد تميّزت تجربته بقدرة نادرة على الجمع بين العمق العلمي، والنزاهة الأخلاقية، والانفتاح الإنساني؛ فكان داعية إلى الإخاء الإنساني، نابذًا للطائفية، وداعية إلى الإخاء الإسلامي، رافضًا لتحويل المذهبية إلى أداة صراع. ومن أبرز ما خلّفه مشروعه الجريء لمعالجة الخلاف المذهبي في روايات الحديث النبوي، عبر عمل علمي جماعي مؤسسي، يعيد للقرآن هيمنته المرجعية، ويحوّل السنة من أداة فرقة إلى وسيلة وحدة، ويكشف أن المتفق عليه بين المسلمين أوسع بكثير مما يُتوهّم من المختلف فيه.
كما يأتي هذا العدد من «مجلة المسار» في سياقٍ يستدعي استعادة الذاكرة النقدية، لا الذاكرة الاحتفالية، ويهدف إلى إعادة فتح ملفات تاريخية وفكرية كبرى كادت أن تُطوى تحت ركام التبسيط، أو تُختزل في صراعات أشخاص وأسماء، بعيدًا عن المضامين العميقة التي صنعت التحوّل ودفعت ثمنه نخبٌ من العلماء والمثقفين والمصلحين. ومع مرور عقود على أحداث مفصلية في التاريخ اليمني الحديث، وفي مقدمتها الثورة الدستورية، بات من الضروري إعادة قراءتها قراءة معرفية واعية، تُقاس فيها الوقائع بمحتواها لا برجالها، وتُفهم فيها المشاريع من خلال نصوصها وأهدافها لا عبر الاصطفافات اللاحقة.
ومن هذا المنطلق، يسعى هذا العدد إلى كسر هيمنة “عبادة الشخصيات” في قراءة التاريخ، وإلى إبراز الأبعاد الدستورية والفكرية والسياسية التي غُيِّبت أو هُمِّشت، سواء في تجربة الثورة الدستورية، أو في تطور الفقه السياسي، أو في الصراع بين التديين والتمدين. كما يعمل على وصل الماضي بالحاضر عبر نصوص تراثية مؤسسة، ووثائق تاريخية كاشفة، ودراسات تحليلية تعيد الاعتبار للعقل النقدي، بوصفه الأداة الأجدر بفهم التحولات، واستخلاص الدروس، وبناء وعيٍ تاريخي لا يكرر الأخطاء، ولا يكتفي بتقديس النتائج دون مساءلة المسارات.
بهذا المدخل، يفتح العدد صفحاته لقراءة متعددة الزوايا، لا تهدف إلى الإدانة ولا إلى التبرير، بل إلى الفهم والتقويم، إيمانًا بأن النهضة تبدأ من سؤال صريح عن الماضي، وبأن تحرير الوعي شرطٌ لتحرير المستقبل.
مدير التحرير
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .