ونظل مع الوثائق البريطانية على الأرض اليمنية، حيث تمدنا -من منظورها- بما يجري في اليمن من أحداث قد تخطئ فيها وتصيب، لكنها مع ذلك تقدم تاريخًا لم يعرف إلا بما جاءت به من معلومات، وبخاصة في مباحثات موضوع الحدود التي جرت مع العثمانيين في الشمال. وهي الحدود المشؤومة التي فصلت اليمن بقسوة فاجعة بين شمال وجنوب لأول مرة في التاريخ، إذ لم تشهد اليمن قط انفصالًا عبر تاريخها الطويل، بهذا الشكل. كانت الدول اليمنية سواء أكانت أسست في تعز أو في صعدة أو في عدن أو زبيد، تسعى جاهدة للاتحاد، ولم تقم دولة واحدة بترسيم الحدود كما يحثنا التاريخ.
في مطلع سبتمبر 1907 تكشف مراسلات المقيم السياسي البريطاني في عدن وتقارير حكومة الهند والخارجية البريطانية، عن سياق سياسي -حدودي بالغ الحساسية، تداخلت فيه عملية ترسيم حدود محمية عدن، مع تحولات السلطة العثمانية في اليمن، وصعود حركة الإمام، بما أوجد وضعًا معقدًا لم تحسمه الاتفاقات الشكلية وحدها.
تُظهر وثائق عدن والضالع أن خط الحدود المرسوم لم يُنهِ عمليًا إشكالات السيادة المالية، ولا سيما ما يتصل بالأراضي الأميرية الواقعة عبر الخط. وقد استقرت الرؤية البريطانية على أن شكاوى الضرائب، وبخاصة العُشر، في الأراضي الواقعة تحت النفوذ العثماني، ينبغي أن تُعالج عبر المحاكم التركية، مع التأكيد على مبدأ أساسي مفاده أن حقوق الملكية الفردية والمياه والمراعي لا تتأثر بتخطيط الحدود.
انصبّ جوهر الخلاف، في التقدير البريطاني، على مسألة السيادة على الأشخاص لا على الأرض ذاتها، وما يترتب على ذلك من حق جباية العائدات. وفي هذا السياق رفضت السلطات البريطانية دعم مطالبة الأمير بجباية إيرادات أراضٍ أصبحت على الجانب العثماني، واعتبرت أن الوثيقة المتبادلة بين المندوبين البريطاني والتركي بشأن عدم التدخل في الحقوق العقارية، تشكل إطارًا كافيًا لاحتواء النزاعات المستقبلية.
مجموعة وثائق تعكس تقارير الحديدة والقسطنطينية حالة اضطراب متصاعدة داخل الولاية اليمنية، تمثلت في إنهاك الجنود العثمانيين العائدين وما أحدثوه من فوضى، إلى جانب الخسائر البشرية والاستنزاف المالي الكبير، فضلًا عن التقدم العسكري الذي أحرزه الإمام في رداع (رضا) ومناطق أخرى، واتساع رقعة القتال والحصار.
تكشف وثائق شؤون القبائل عن التزام بريطاني صارم بمبدأ عدم التدخل في الإدارة الداخلية للقبائل، ويتجلى ذلك في الاستمرار بوقف الإعانات عن قبائل بعينها على خلفية جرائم سابقة، والحذر من إعادة توزيع الرواتب بما قد يخل بتوازنات القوة القبلية. وفي الوقت نفسه جرى ترتيب الانسحاب من الضالع وفق مقاربة براغماتية هدفت إلى تأمين طريق عدن -الضالع عبر اتفاقات حماية والتزامات ولاء ومنع الاتصال بقوى أجنبية.
وعليه، تكشف وثائق سبتمبر 1907 عن لحظة تاريخية تلاقت فيها ثلاثة مسارات متشابكة: حدود مرسومة تتنازعها تطبيقات السيادة والجباية، وتمرد يمني يضغط على البنية العثمانية، وسياسة بريطانية حذرة تسعى إلى حماية المحمية دون الانزلاق إلى عمق الصراع اليمني -العثماني.
رئيس التحرير
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .