عن مثلث القوة «تركيا ومصر وإيران»(3)

يتناول النص تعثر مشروع «مثلث القوة» بين تركيا وإيران ومصر، في ظل تدخل غربي كثيف، وقيود سياسية ومذهبية عطلت أدوار هذه الدول. فتركيا بقيت مشدودة للغرب، وإيران أُضعفت بالطائفية رغم موقفها من إسرائيل، بينما تظل مصر الأقدر نظريًا على التوفيق إن تجنبت التمذهب. ويخلص النص إلى أن الصراعات المذهبية والنفوذ الأمريكي أبرز العوائق أمام قيام هذا المثلث المنشود.

عن مثلث القوة (تتمة لما في أعداد سابقة)
يبدو أن موضوع “مثلث القوة” لم ينته فصولاً، لما تظهره الأيام والليالي من وقائع جديدة غيرت مالاح أملًا،  لقد دخل الغرب الساحة بكل شراسة وأضعفت دور تركيا في هذا الصدد ولم يكن فيها “أردوغان” خير خلف لـ”باربكيان”. و”مصر” مشغولة الآن بقضاياها الداخلية مكبلة بمعاهدات لا تستطيع بفعلها حراكًا. و”إيران” محاصرة من الدول الكبرى.

بدت “تركيا” في الظروف الجديدة دولة سُنّية بامتياز، وقد لعبت دورًا إعلاميًا سريع الوهج أيقظ الآمال، ولكنه مالبث أن خبا شعاعه بعد حين، وبدا واضحًا مدى القيود التي أثقلتها “أمريكا” بها، لقد زجّت نفسها مع الغرب فظهرت في الصراع حول “سوريا” معها جنبًا إلى جنب، فأغضبت القوميين والعروبيين والشيعة. ومن خلال تلميحاتها – ولو بشكل باهت – باسترداد “العثمانية السُنية”، أحيت رفضها للتقارب مع “نادر شاه” كما قدمنا, أي أنها بهذه التلميحات تعيد تكريس الانشقاق الكبير بين الشرق الإسلامي وغربه، بين “دولة شيعية” في “إيران” وأخرى “سنية” في تركيا، وهذا في حد ذاته يعيق قيامها بالدور المطلوب، في إقامة مثلث القوة.

و”إيران” دولة شيعية بحتة لايمكنها أن تقوم بالدور المطلوب أيضًا؛ لأن خصومها قد نجحوا في إظهارها دولة مذهبية، وبالرغم من جهودها الكبيرة والمحمودة في دعم المقاومة السنية في “فلسطين” (حماس) إلا أنها تتعرض من قبل خصومها لهجوم كبير- حقًا أو باطلًا- بوسمها بالعمل من أجل التوسع الشيعي، وقد أثرت هذه الدعاية على الكثيرين من “السنة” وصدقتها مما جعل “إيران” تلقى كثيرًا من العوائق في إقامة مثلث القوة.

على أن “إيران” تتفوق على “تركيا” – بمقياس المشاعر الإسلامية الشعبية – في أنها تقف ضد  الغرب بصفة عامة وضد “إسرائيل” بصفة خاصة مما يكسبها قوة شعبية هائلة لاتملكها “تركيا” التي أثقلتها الارتباطات “الغربية” و”الإسرائيلية” وحددت من خطاها الإسلامية بالرغم من الصخب العظيم الذي رافق دخولها المنطقة العربية  ووقوفها الإعلامي ضد “إسرائيل” الأمر الذي أعطاها توهجًا سريعًا، لكن هذا الوهج ما لبث أن تضاءل بدءًا بدعوة رئيسها لحماس أن تعترف بـ”إسرائيل”، ومرورًا بإسقاط دماء من سقطوا من “الأتراك” بنيران إسرائيل” في قضية “باخرة الحرية” حتى بدون أن تعتذر “إسرائيل” عمّا أجرمت وهو أضعف الإيمان، ممّا يؤكد بجلاء أن “تركيا” ماتزال مشدودة بحبال غليظة تشدها غربًا.

بيد أن “تركيا” تتفوق على “إيران” بتأييد الحكومات العربية لها، وتعاطف التمذهب معها، وهكذا نجد أمام الدولتين عوائق تحول دون قيام أي منهما بتكوين المثلث المطلوب. ويكون الغرب قد منع إقامة هذا المثلث المنقذ.

بقي أمل واحد في “مصر” فهي الوحيدة القادرة على لعب دور التوفيق، وليس ثمة في هذه المنطقة المؤهل للقيام بهذا الدور إلاّ هي. فـ”مصر” في رأيي هي المهيأة بتركيب المثلث على خير ما يرام، ووصل ما يتقطع، وهي وحدها القادرة على هذا الدور، فهي بانفتاحها المذهبي عبر التاريخ، وعدم تعصبها المذهبي ومكانتها السياسية القوية في “إفريقيا” و”العالم العربي” قادرة أن تلعب الدور بامتياز. والذي يُخشى منه أن تتحول “مصر” إلى دولة مذهبية، عندئذ ستسقط عن نفسها دور اللاعب الموفِّق والموفَّق بين القوتين، فـ”مصر” هي المؤهلة-لو أحسنت التصرف- في نجاح هذا الدور.

على أن مسايرة “مصر” لـ”دول الخليج” في إخراج “سوريا” من “الجامعة العربية” يعني قصًّا لجناحها الشمالي، وبسقوط “الوحدة العربية” تسقط زعامة “مصر” نفسها وستتزعم على نفسها فقط. صحيح أن “مصر” مكبلة بعوائق كثيرة أهمها الاتفاقية المشؤومة الموقعة بينها وبين “إسرائيل” في “كمب ديفد” الأمر الذي أفقدها القيادة العربية وجعلها تقاد – في غفلة تاريخية هائلة – بثاني أصغر دولة في “الخليج”، وزادها ضعفًا خروج جناحها الشمالي التي كانت تحلق به عبر تاريخها “الفرعوني” و”الإسلامي”. إن سقوط العروبة الأخير بإخراج أهم رموزها الكبار من “الجامعة العربية” إضعاف ولاشك لدور “مصر” القائد، فما من شك أن “العروبة الحديثة” قد انبثقت من “الشام” فهي أم الفكرة وقابلتها وحاضنتها، وقد تبعتها الدول العربية فدخلت في “القومية العربية” تباعًا بعضها بإيمان وأخرى بإدهان. فخروج “سوريا من الجامعة وضعف دور “مصر” الآن يجعل مصر غير قادرة على القيام بالدور المطلوب.

لا أحد ينكر دور سوريا العظيم في مقاومة الحروب الإفرنجية قديمًا، ومقاومة الاحتلال الغربي و”إسرائيل” ودعم المقاومات سنية وشيعة حديثًا، فإذا أنا تحدثت عن المسار العام لهذه الدولة العظيمة؛ فلأنها الدولة الوحيدة المعاصرة التي خرجت من الاحتلال الغربي وهي تملك قضية تبنتها ودعت إليها وهي “القومية العربية” سواء اتفق الناس على الرضا عنها أو ناوؤوها، فهي على كل حال الدولة التي خرجت بقضية وسعت بكل اندفاع إلى تحقيقها مرة مع “العراق” ومرة مع “مصر”، ومن الواضح أن هذا المقال لا يتحدث عن مشاكلها الداخلية القديمة و الحديثة، فليس هذا المقال معدًا لمعالجة مشاكل الدول العربية الداخلية بدون استثناء، وما فيها من مظالم وجور وكبت للحريات، وإنما يتحدث عن القضايا الأساسية الاستراتيجية والمسارات الكبرى الدائمة والثابتة.

واليوم جاء دور “الإسلاميين” على أنقاض “العروبيين” فهل ستتمكن “مصر” من مد جسور التحالف بين العناصر الأساسية في “العالم الإسلامي”؟ وهل سنشهد قيام “جامعة إسلامية” تتجنب أخطاء “الجامعة العربية” وبالتالي تحقق مثلث القوة؟ أعتقد أن “مصر” قادرة على اللعب بجدارة في ظل عهدها الجديد، بل إنها الوحيدة القادرة من بين الدول العربية، مالم تسقط في الشباك القائمة والفخاخ الموضوعة المتمثل في التمذهب والطائفية، فإذا هي اعتمدت التمذهب سياسة لها فإنها سوف لن تنجح لاعلى المستوى الإسلامي بل والعربي أيضًا، فالحكومات العربية اليوم لن تقبل أن تقاد من قبل مصر، وغيرها الآن يملك المال والدعم الأمريكي والغربي، وفي مثل هذا الوضع إذا سقطت مصر في شباك التمذهب وفخاخ الطائفية فعندئذ سيتراجع  حلم “مثلث القوة” إلى الوراء وقد يغيب زمنًا قد يطول.

مع اتضاح الحاجة لمثل هذا المثلث وفي الوقت نفسه صعوبة تحقيقه في مثل هذه الظروف بعد أن لاح صباحه، فإن تساؤلات عن سبب ذلك تطرح نفسها بقوة: هل السبب يعود إلى “النفوذ الأمريكي” الماسك بتوجه الدولتين “المصرية” و”التركية” فيحول بينهما وبين المثلث الاقتصادي؟ هل لأن المذهبية قد بلغت من النفور والكراهية بين جناحي “العالم الإسلامي” بحيث يستعصي التقارب ويعز الاتحاد؟ هل؟ هل.؟. حسبي أن أطرح مثل هذه التساؤلات، فربما كان غيري أقدر على الإجابة مني.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .