يقدّم الباحث الألماني أ.د. فيرنر دوم – بترجمة الأستاذ ربيع ردمان – مقالاً يُعد مراجعة نقدية لأبرز الاكتشافات المتصلة بـ«أصل النظام الألفبائي ومنشأ الحضارة العربية الجنوبية». ومن خلال أطروحاته يعيد طرح أسئلة كبرى حول مسارات التأثير المتبادل في الشرق الأدنى القديم، بما يفضي إلى إعادة تصور خرائط التفاعل الحضاري وحدودها.
يولي المقال اكتشاف آلاف الأعواد الخشبية المعروفة بـ«الزبور» أهميةً خاصة؛ إذ كُتبت بخط صغير متصل، وتمتد زمنياً من القرن العاشر قبل الميلاد إلى القرن السادس الميلادي. وتكشف هذه النصوص تفاصيل الحياة اليومية، موثِّقةً معاملات قانونية وتجارية، ومشتملةً على رسائل لنساء مارسن نشاطاً تجارياً مستقلاً. وبناءً على ذلك يفسّر الكاتب «زبور» في القرآن بمعنى «كتابات» لا «مزامير داود» بالضرورة، داعياً لقراءته ضمن سياقه الثقافي اليمني.
وفي سياق بحثه عن منشأ الأبجدية، ينتقد «دوم» «النظرية السينائية» التي تربط اشتقاق الألفبائية السامية بالهيروغليفية المصرية، ويرى أنها لم تعد قادرة على تفسير المعطيات المتاحة. ويؤكد أن تميّز النظام السامي ينبع من نقلة نوعية تتمثل في إسناد قيمة صوتية للحرف وفق مبدأ «أوائل الكلمة» (الأكروفونية)، لا من تشابهٍ صوري مع الرموز المصوّرة.
كما يسلط المقال الضوء على «الهلحمية» (هـ – ل – ح – م) باعتبارها ترتيباً ألفبائياً يمنياً متجذراً. ويستند في تأكيد قدم هذا النسق إلى شواهد من ألواح وُجدت في أوغاريت (سوريا) وبيت شيمش (فلسطين)، مؤرخة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وهو ما يرجّح حضور هذا الترتيب في مراحل مبكرة من تاريخ الأبجديات السامية. ويذهب الكاتب إلى أن السبئية – ضمن اللغات السامية – تتفرد بامتلاك ألفبائية كاملة تضم 29 صوتاً، وهي الأصوات المنسوبة إلى «السامية الأم». وبناءً على ذلك يرجّح أن السبئيين كانوا أصحاب الدور الحاسم في ابتكار الأبجدية في صورتها الأكثر اكتمالاً، أو أنهم نقلوا النظام إلى مرحلته الناضجة.
وعند تفسير نشأة الحضارة العربية الجنوبية، يؤيد «دوم» فرضيةً ترى أن العمارة الصرحية وأنظمة الري المتقدمة في جنوب الجزيرة لم تنشأ من تطور محلي خالص، بل نتجت عن «هجرة نخبة» من بلاد الشام (الآراميين المبكرين) مع مطلع الألف الأول قبل الميلاد. ويعزز ذلك بقرائن لغوية، مستندًا إلى أعمال شتاين وكوتسيبر التي تشير إلى نظائر صرفية وتوافقات لافتة في اشتقاق الفعل بين الآرامية والسبئية، بما يرجّح أصلًا مشتركًا في سوريا. ويعرض المقال امتداد هذا الأثر إلى شرق أفريقيا (إثيوبيا)، موضحًا انتقال عناصر من الكتابة والديانة والتقاليد العمرانية السبئية إلى الضفة المقابلة، ومن شواهده تشييد معبد «يحا» بأحجار مرمر من محاجر مأرب. وخلاصة الكاتب أن الألفبائية العربية الجنوبية ليست مجرد نظام كتابة، بل محور ربط اليمن بامتداداته الشامية، ثم اتسع أثره—وفق ما يورد—إلى مصر وإلى إثيوبيا، بما يجعل اليمن القديم ركنًا مهمًا في تاريخ الكتابة ومسارات الحضارة.
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .