لا يندرج هذا المقال في باب الرثاء المألوف، ولا يقف عند حدود التأبين العاطفي الذي يكتفي بتعداد المناقب واستحضار المآثر، وإنما يتخذ من سيرة الأستاذ المفكر إبراهيم الوزير مدخلًا لقراءة تجربة فكرية وإنسانية نادرة، امتزج فيها الموقف الأخلاقي بالفعل السياسي، والثبات المبدئي بالمعاناة اليومية، والفكرة المجردة بالسلوك العملي. فهو مقال يتجاوز السؤال: من كان إبراهيم؟ إلى سؤال أعمق: كيف عاش ما آمن به؟ ولماذا ظل نموذجًا مختلفًا حتى في خصومه؟
ينطلق المقال من إدراك واعٍ لصعوبة الكتابة عن شخصيةٍ جامعة، لا تستنفدها زاوية واحدة، ولا تختزلها سيرة سياسية أو فكرية منفصلة عن سياقها الإنساني. لذلك يحرص الكاتب منذ البدء على التمييز بين العاطفة بوصفها دافعًا للصدق، وبين الموضوعية بوصفها شرطًا للكتابة، مستحضرًا أن الوفاء الحقيقي لا يكون بالمبالغة، بل بقول الحق كما هو، مهما كان مؤلمًا أو مكلفًا.
ويضيء المقال على المحور الأبرز في تجربة إبراهيم الوزير: الثبات على المبدأ. ذلك الثبات الذي لم يكن شعارًا نظريًا، بل ممارسة يومية قاسية، تجلّت في رفضه للمناصب والإغراءات في أوقات العُسر واليُسر، وفي تحمّله الجوع والمنفى والتضييق، دون أن يُبدّل قناعته أو يُخفّف من لهجته الأخلاقية. ويكشف المقال كيف أن هذا الموقف لم يكن نابعًا من زهدٍ فردي معزول، بل من رؤية واضحة لمفهوم الجمهورية، والعدل، والشورى، ورفض أي نظامٍ لا يطابق هذه القيم في جوهره مهما تلونت واجهته.
كما يتوقف المقال عند جانبٍ إنساني بالغ الدلالة في شخصية الراحل، هو التسامي الأخلاقي في مواجهة العنف. فبرغم تعرّضه لمحاولات اغتيال متعددة، لم يسعَ إلى انتقام، ولم يطالب بثأر، ولم يجعل من ألمه الشخصي وقودًا للكراهية، بل ظل متمسكًا بخيار السلم، والحوار، والعفو، باعتبارها مواقف قوة لا ضعف. ويقدّم هذا الجانب بوصفه مفتاحًا لفهم مشروعه الفكري بأكمله، حيث لا انفصال بين الفكرة والسلوك، ولا قيمة لفكرٍ يدعو إلى الحرية وهو عاجز عن ممارستها في أقسى الظروف.
ولا يكتفي المقال بسرد التجربة، بل يضعها في سياقها العام، مبيّنًا كيف التقت شهادات كتّاب هذا العدد – على اختلاف اتجاهاتهم وخلفياتهم – عند الإقرار بفرادة هذه الشخصية ونزاهتها، بما يشبه الإجماع الأخلاقي النادر في زمن الانقسام. ومن هنا يصبح المقال مدخلًا طبيعيًا لبقية مواد العدد، لا باعتباره رأيًا فرديًا، بل بوصفه مفتاح قراءة لما سيأتي بعده من دراسات وشهادات.
إن هذا التقديم لا يهدف إلى استباق المقال أو تلخيصه، بل إلى تنبيه القارئ إلى أنه أمام نصٍّ لا يستدعي التعاطف فحسب، بل يستدعي التفكير والمساءلة: مساءلة العلاقة بين الفكر والموقف، بين الشجاعة الأخلاقية والعمل العام، وبين الوفاء للراحلين والوفاء لما عاشوا من أجله. فالمقال، في جوهره، ليس حديثًا عن رجلٍ مضى، بل عن معيارٍ يُقاس به الحاضر، ويُختبر به المستقبل.
مدير التحرير
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .