الحسن بن أحمد الجلال العلامة المجدد الناقد

يتناول المقال قراءة معمّقة لمكانة الإمام الحسن بن أحمد الجلال بوصفه من قمم الفكر الاجتهادي الحر، إلى جانب الإمام المقبلي، مبرزًا شجاعتهما العقلية ونقدهما للتقليد والتعصّب. يعرض الكاتب سيرة الجلال ومنهجه المعرفي، وموقفه النقدي من المذاهب والكلام والتمذهب الصراعي، مؤكدًا مركزية الدليل وأخلاق الاختلاف، ومبرزًا أثره العلمي وتراثه وتنوّع النظر إليه في الكتابات التاريخية.

إلى مقال العلامة “عبده إبراهيم مفرح” عن الإمام “الحسن بن أحمد الجلال”، وهذا الإمام رضوان الله عليه من القمم العالية لا يرقى إلى مستواه إلا من أعطي معرفة كاملة، ولا يعرفه حق معرفته إلا من اطلع على كتبه، وكان ذا حظ عظيم في الإلمام بالمعرفة، وفي رأيي أنه هو والإمام المقبلي من رجال الفكر من الدرجة الأولى، وقد لا يوجد من بعدهما من بلغ مكانتهما في الشجاعة العقلية وإبداء الآراء المخالفة لما اطمأن الناس إليه، فيجهران بالحق بدون خوف من أحد مهما كان مكانه. ومن المؤسف حقًا أن هذين العلمين النيرين لم يحظيا بالاهتمام كما حظي من هو أقل شأنًا منهما، ولعل لأفكارهما الحرة وصعوبة إدراكهما، بل ونفور المقلدين عنها، سببًا في ذلك التباعد عنهما مع أنهما في عصرهما كانا رجلي الفكر الراقي.

قسم الكاتب مقاله إلى عدة أقسام، قسم يتناول التعريف بحياة الجلال مولده ونشأته وأسرته وما يتعلق بحياته الاجتماعية، وقسم بمسيرة بنائه المعرفي، من بداية الطلب إلى المشيخة والتأليف، ملقيًا الضوء على الحراك الفكري والأوضاع السياسية في عصره، وقسم توسع في الكلام عنه كامتداد لمدرسة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، كما صرح بذلك الجلال نفسه، مبينًا جوانب من منهجه في التفكير والاجتهاد، وما حظي به من إشادة، وواجه من نقد بناء وغير بناء، ثم ختم بذكر الكاتب بالكلام على تراثه المعرفي من خلال ما خلف من تلاميذ نجباء ومصنفات شكلت لبنة في البناء المعرفي لمدرستي الأصول والفقه.

وفي المجمل، يكشف النص محلّ الدراسة عن ملامح واضحة لموقف الحسن بن أحمد الجلال من المذاهب الفقهية والكلامية، وهو موقف يقوم على أساس نقدي منهجي، يتجاوز حدود الانتماء المذهبي الضيق، دون أن ينتهي إلى رفض المذاهب أو إهدار قيمتها العلمية. فقد تعامل الجلال مع المذاهب بوصفها نتاجًا اجتهاديًا تاريخيًا، لا معاييرَ مطلقة للحكم على الصواب والخطأ، وهو ما يتجلّى في تمييزه الصريح بين الالتزام بالمذهب والالتزام بالدليل.

ينطلق الجلال من مسلّمة مفادها أن مخالفة المذهب لا تُعدّ في ذاتها محلَّ إنكار، ما لم تقترن بمخالفة الدليل، وأن الشناعة التي يستنكرها بعض المقلِّدين إنما تنبع من التقيّد بالمذهب لا من التقيّد بالحجة. ويُفضي هذا التصور إلى إعادة تعريف مفهوم الاجتهاد بوصفه التزامًا بالدليل في ضوء النظر والاستدلال، لا بوصفه سلطة لإقصاء المخالف أو تضليله، وهو ما دفعه إلى نقد بعض المجتهدين الذين ينزلقون إلى الحكم بضلال من خالفهم، رغم استيفائه شروط الاجتهاد.

كما يوجّه الجلال نقدًا منهجيًا حادًّا إلى ظاهرة التمذهب حين تتحوّل من إطار علمي تنظيمي إلى هوية صراعية، مشيرًا إلى أن العداوة المذهبية تُعدّ من أشدّ صور الخصومة، لما تنطوي عليه من إضفاء طابع ديني على الخلاف، وهو ما يؤدّي إلى تعطيل النظر في الأدلة، بل وإلى إنكار بعض الضرورات بدافع التعصّب.

وتزداد أهمية هذا الموقف حين يمتدّ النقد إلى داخل الدائرة المذهبية التي ينتمي إليها الجلال نفسه؛ إذ لا يتردّد في توجيه ملاحظات نقدية إلى بعض متأخري أئمة الزيدية، ولا سيما في ما يرى أنه تأثّر غير منضبط بمناهج المعتزلة الكلامية، وما ترتّب على ذلك من تصوّرات لا تستند -في نظره- إلى نقلٍ صحيح، ولا إلى عقلٍ سليم. كما ينتقد اشتراك بعض الزيدية مع الإمامية في بعض صور الغلو، خصوصًا في اشتراط الانتماء إلى أهل البيت في ناقل الخبر، ويرى في ذلك خروجًا عن المعايير العلمية للرواية.

وفي تعامله مع علم الكلام، يتخذ الجلال موقفًا نقديًا واضحًا من بعض المتكلمين، بخاصة في ما يتعلّق بتأويل المتشابه وردّ الأخبار الثابتة في السنّة. ويؤسس نقده هنا على حُجّة لزومية مفادها أن ردّ الأخبار الثابتة عن الصحابة والتابعين يستلزم -منطقيًا- الطعن في أصل نقل القرآن نفسه، وهو ما يؤدّي إلى نتائج تُفضي إلى تعطيل الشرائع. أما نقده للمعتزلة، فينصبّ أساسًا على تقديمهم ما يراه «عقولهم المذهبية» على النص، لا على استعمال العقل بوصفه أداة للفهم والاستدلال.

ولا يغفل الجلال عن نقد بعض الممارسات المنسوبة إلى المحدّثين، ولا سيما الميل إلى الإغراب في الرواية والمباهاة بها، وهو نقد يتجاوز الجانب الأخلاقي إلى بعدٍ منهجي، إذ يُحذّر من تحوّل الحديث من وسيلة لضبط المعرفة الشرعية إلى مجال للتنافس والتفرّد.

ويُفهم من مجموع هذه المواقف أن الجلال يمثّل نموذجًا لعالِمٍ اجتهاديٍّ مستقل، ينظر إلى الاختلاف المذهبي بوصفه ظاهرة علمية طبيعية، لا مبررًا للصراع أو الإقصاء، ويؤكد على مركزية الدليل، وأخلاق الاختلاف، والانضباط المنهجي في التعامل مع التراث. ومن ثمّ، فإن موقفه من المذاهب لا يمكن قراءته في إطار الانحياز أو المفاضلة، بقدر ما يُقرأ في سياق مشروعٍ فكريٍّ يسعى إلى إعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه ممارسةً معرفيةً مسؤولة، لا أداةً للهيمنة أو التعصّب.

كما حظي الحسن بن أحمد الجلال باهتمامٍ لافت من قِبَل المؤرخين، نظرًا لما مثّله من شخصية علمية بارزة خلّفت تراثًا فكريًا متنوعًا ومؤثرًا. وقد تعدّدت الترجمات التي كُتبت عنه، بين من تناول شخصيته بإعجاب وتقدير، ومن نظر إليه بعين النقد والمخالفة. وأسهم هذا التنوّع في الكشف عن جوانب متعددة من حياته ومسيرته العلمية، بما يسمح بتكوين صورة مركّبة عنه، تتجاوز التوصيف الأحادي، وتعكس موقعه الحقيقي في سياقه التاريخي والفكري.

رئيس التحرير

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .