صنعاء.. تأسيسها وأشهر معالمها

يستعرض الدكتور «فيرنر دوم» تاريخ صنعاء ومعالمها، من خلال هذه الدراسة مكمّلًا أعمال باحثين سابقين عن المدينة. لقد ركّز الكاتب على قصر غمدان، وكاتدرائية أبرهة، والجامع الكبير، وقبر النبي حنظلة، والسائلة، مقدّمًا رؤى نقدية للنصوص القديمة ومقارنتها بالنقوش والآثار. مستخلصًا علاقة بين الآثار الدينية وموضوع السيول، وتطرق إلى التحولات التي طرأت على السائلة. إنه بحث ثري ومثير يدفع القارئ إلى مزيد من البحث في تاريخ صنعاء العريق. وقد أحسن المترجِم أ. «ربيع ردمان»، في تعقبه وتصوب ما وجد من أخطاء.

هنا جاء الحديث عن «صنعاء: تأسيسها وأبرز معالمها» مقال للدكتور «فيرنر دوم» وترجمة الأستاذ ربيع ردمان، في زمنٍ لا تحتاج فيه صنعاء الحديثة تعريفًا بها؛ فصوتها أصبح في كل بقاع الأرض أنشودةً مجيدةً يتغنّى بذكرها كلّ من زارها. فلصنعاء عبق تاريخي يجذب إليها المهتمّين بالتاريخ، كما يجذب رحيق الأزهار طوائف النحل، فتهبط إليه فتنهل منه لتنتج عسلًا طيّبًا، وأحيانًا عسلًا مرًّا، على حسب ما تقتات منه. وليس مستغربًا أن يكون لمدينة عميقة في التاريخ أسرارها المغلقة، التي هي بحاجةٍ لأن تُعلن عن بدائعها لمن أقبل عليها، هادفًا استجلاء كنوزها الدفينة.

وقد كتب الكثيرون عن صنعاء، ولعلّ أقدم من خصّ تاريخ صنعاء العلمي والتاريخي كتابان قديمان: «تاريخ مدينة صنعاء» للعلامة الرازي (تـ 460هـ/1069م).  «تاريخ صنعاء» لابن جرير (تـ 450هـ/1058م). وإذ كان الغالب على كتاب الرازي هو ذكر علمائها وقضاتها وشيءٍ من تاريخها، فإنّ كتاب ابن جرير قد انحصر على الحديث عن تاريخها السياسي، ومن حكمها، ومن تغلّب عليها، ومن وفد إليها.

ومضت بعدهما سنوات طوال حتى جاء «سري بن فضيل العرشاني» (المتوفى عام 626هـ/1229م) فكتب «كتاب الاختصاص» وجعله ذيلًا للجزء الثالث من «تاريخ مدينة صنعاء» دون أن يضيف الكثير من المعلومات. ويُعتبر كتاب الاختصاص امتدادًا لما حدث بعد الرازي إلا قليلًا، كعمارة الجامع الكبير والمنارتين بأمر الأمير «ورد سار» وشيءٍ من هذا القبيل.

لكن ذلك كله كان تصويرًا لمظهرها الخارجي، وليس في علمي مَن تناول صنعاء من داخلها، من قلب بيوتها، من ساحات ميادينها، ومن تلاصق حوانيتها وتفرّد أسواقها، وحُسن حمّاماتها، وروعة جوامعها، أحدٌ كما قام به البروفيسور البريطاني «روبيرت سرجينت» (المتوفى عام 1413هـ/1993م) بالتعاون مع «رولاند لكووك» (المتوفى 1434هـ/2013م) في كتاب «صنعاء المدينة الإسلامية العربية»، حيث وصف المساجد وخاصة الجامع الكبير، والبيوت والعمارات السكنية، والأسواق مثل: سوق النحاسين، سوق القماش، سوق الجنابي، وسوق البقر… إلخ، كما وصف التحصينات كسور صنعاء، وأبوابها، والحدائق داخل المدينة، والآبار… إلخ.

وعلى هذا المنوال جاء صاحب المقال الباحث والأكاديمي الألماني «فيرنر دوم» (1943 – 2025). وليس هذا البحث أوّل بحثٍ له عن اليمن؛ فله عدّة بحوث سابقة ذكرها المترجم في تقديمه للمقال، حيث عرّف بالكاتب والكتاب تعريفًا جيّدًا، ألمّ فيه بثقافة الكاتب ومؤلفاته، وأعطى من خلالها قرّاءه فكرةً عامّة عنهما، وصحّح بعض الأخطاء التي وقع فيها – كما يعتقد – د. «فيرنر دوم»، ممّا يدلّ على سعة علمه.

تحدّث المقال عن ثلاثة معالم تاريخية حديثَ عالمٍ متمكّنٍ من فنه، وركّز على: «كاتدرائية أبرهة» الحبشي، و«الجامع الكبير»، وما يوصف بـ«قبر النبي حنظلة». في بحثه نفى أن يكون موقع «الكاتدرائية» في «غُرْفة القليس»، حيث كان المعتقد أنّها بقية موقع الكاتدرائية، القول الفصل يرجع إلى التنقيب في الآثار المطموسة في «غُرْفة القليس» إن كانت الكنيسة قد بُنيت عليها.

بدأ الحديث عن تأسيس صنعاء، واعتبر أنّ بعض ما جاء به الهَمداني والرّازي – وهما مصدر اعتمد عليهما من جاء بعدهما – حديثُ خرافة، تُخالفه النقوش والآثار المكتشفة. كما تحدّث عن «السائلة» وموقعها الأول، وأنها غير التي هي عليها الآن، كما تحدّث عن الشكل الذي كان عليه قصر غُمدان، وعن النقوش التي عثر عليها عالم الآثار اليمني محمّد علي السّلامي (ت ربيع عام 2017) في تجويفٍ صخريٍّ في خولان الطِّيال، تُظهِر ثلاثة مبانٍ فخمة تُظهر أوجه تشابه تتفق مع الأوصاف التي ذكرها الهمداني لقصر غمدان. ويبدو الاحتمال الأرجح أنّ هذه اللوحات مستوحاة من قصر غُمدان الشهير.

ثم تحدّث عن ضريح النبي حنظلة، وأنّه يعود إلى ما قبل الفترة المسيحية، وفي تقدير الكاتب أنّه يعود إلى ما قبل تأسيس صنعاء بكثير، وأنّ تسميته «حنظلة بن صفوان» إضافةٌ إسلامية أُلحقت بالقبر بعد بنائه بزمنٍ طويل. وربط موضع القبر بمسيل المياه، وأنّ نظام المياه كان وراء بناء قبر حنظلة. في ظل معتقد قديم في أن «الجبل هو واهب الماء»، وتُذبح الحيوانات الكبيرة إمّا على قمته أو في سفحه، إذ كان يُعتقد أنّ اجتذاب الجبل للسحب يعني أنّ فيه ربًّا كامنًا يُرسِل الرعود، وبالإمكان التماس بركته من خلال تقديم الأضاحي.

وعلى الرغم من الإثارات الممتعة التي جاء بها الكاتب، فقد تعقبه المترجم بالتصويب، ومثل حديثه عن سيل ذي الحجة (262هـ/876م) وأنّ إبراهيم بن محمد بن يُعفر حاكم صنعاء قام بإصلاح الجامع الكبير وترميمه، وأنّه شيّد المئذنة الغربية. والثابت في التاريخ أنّ الذي رمّم جامع صنعاء هو الأمير السابق محمد بن يُعفر، عند عودته من الحج وقبل استشهاده على يد ولده السكير إبراهيم بن محمد. لكنه كان في معظم كتابه مصيبًا في النواحي التاريخية، ناقدًا لبعض الروايات، مثل ما رواه الجندي عن عليّ بن الفضل أنّه سدّ منافذ سقف الجامع الكبير، وأمر فقُذف بالعذارى عاريات بين الماء، فمن أعجبنه جيء به إليه، وأنّه افتضّ في يومه عدّة بكور، ففنّدها.

ليس من شكّ أنّ هذا البحث سيجذب إليه قرّاءه، ويتركهم يتساءلون عن بعض ما جاء فيه بشغفٍ وتطلّع، ويدفعهم إلى مزيد من البحث ليزدادوا علمًا بما في صنعاء التي حوت كلّ فن، كما سماها الشاعر.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .