يتضمن العدد (53) من «مجلة المسار» باقة أبحاث ومواد في فنون شتى، تتوزع بين التاريخ والوثيقة، والاجتماع والتنوير، واللغة والحضارة، والأدب والشعر، بما يجعل العدد أقرب إلى رحلة معرفية متعددة المحطات، هدفها أن تمنح القارئ فائدة مركبة: توثيقًا للماضي، وفهمًا للحاضر، وفتحًا لأسئلة المستقبل.
يستهل العدد بمقال رئيس التحرير «اتفاقية الدعان؛ هل أقفل ملفها؟»، وهو مقال ينهض على سؤال علمي دقيق نشأ من قراءةٍ بحثية لعملٍ توثيقي مهم، بعد العثور على نص الاتفاقية في الأرشيف العثماني ونشر مواد سرية كانت محتجبة زمنًا طويلًا. غير أن المقال لا يكتفي بالتسليم بأن النشر قد حسم الملف نهائيًا، بل يفتح باب المراجعة المنهجية: أين النسخة العربية الأصلية؟ وما أثر غيابها في فهم النص ومقاصده؟ ثم يلتفت إلى ملاحظة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بغياب التوقيعات والأختام عما نُشر من النسخة العثمانية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أسئلة حول الصياغة والدلالة ودقة الترجمة. وهكذا يتحول المقال إلى نموذج لقراءة الوثيقة بوصفها “مدماكًا” في بناء تاريخي لا يكتمل إلا باستحضار كل عناصره.
ومن الوثيقة السياسية ينتقل العدد إلى قضية اجتماعية كبرى عبر مقال العلامة محمد يحيى عزان: «عن المرأة.. هكذا تحدث القرآن»؛ حيث يعالج معاناة المرأة في تاريخ طويل من التقاليد والسلطة والتديين، ويقابل ذلك بالمخارج القرآنية التي تردّ الحقوق إلى أصلها العادل. ويتميّز المقال بأنه لا يقف عند الجدل المعتاد، بل يحاول أن ينطلق من النص القرآني مجردًا قدر الإمكان من الأثقال التاريخية والنسقية، بما يفتح زاوية جديدة للقراءة، ويعيد ترتيب المسألة على أساس المرجعية العليا: القرآن بوصفه مرجعًا نهائيًا في التشريع، لا مادة تُكيَّف لخدمة الأعراف أو موازين القوة.
ثم يأخذ العدد القارئ إلى مساحة حضارية لسانية عبر بحث الدكتور حميد العواضي: «الألفاظ اليمانية وبناء المعجم التاريخي العربي»، وهو بحث يربط علم المعجم بتاريخ اللغة ربطًا عضويًا، ويستند إلى النقوش اليمنية المؤرخة علميًا بوصفها مصدرًا يُعين على ضبط محطات تاريخية للألفاظ، وفهم تطورها الدلالي والصرفي. وفي عمقه يشيع معنى حضاري واضح: أن اللسان مرآة الحضارة، واتساع المفردات شاهدٌ على اتساع مجالات الحياة والفكر والإبداع، وأن استعادة التاريخ اللساني ليست عملًا لغويًا محضًا، بل طريقٌ لفهم حضاراتٍ كاملة من خلال أثرها المكتوب.
ويعزز العدد هذا الوعي بالمسألة الحضارية عبر مقال الأستاذ الأديب محمد عبد السلام منصور حول المؤسسات الثقافية العربية وبناها الهيكلية وتحدياتها، وهو طرح يضع الثقافة والإعلام في قلب سؤال النهضة: مدى الجاهزية لاستيعاب المستقبل، ودرجة الكفاءة في التعامل الحضاري المعاصر. وفي سياقٍ تتراجع فيه الثقافة بمعناها البنّاء أمام أزمات متعددة، يغدو هذا المقال تذكيرًا بأن الحضارة منظومة، وأن إصلاح الثقافة لا ينفصل عن إصلاح بقية المجالات، وأن الفجوة لا تُردم بالشعارات بل بالبناء المؤسسي والرؤية.
وعلى خطّ التاريخ الصرف، يقدّم العلامة عبد الله بن يحيى السريحي مقالا عن الملك المسعود الأيوبي وفترة حكمه في اليمن، متحررًا من عصبيات العصر التي تلوّن التاريخ لخدمة الهوية السياسية أو المذهبية أو الحزبية. فتأتي الدراسة بوصفها حفرًا في طبقات الوقائع، وإعادة بناء “بيت التاريخ” كما كان، لا كما يراد له أن يُرى. وهو تأكيد لمبدأٍ تكرره المجلة ضمنيًا: أن التاريخ ليس ساحة مدحٍ ولا ميدان ذم، بل علمٌ للتقويم والتشخيص، ومنه تُستخلص الدروس لا تُستخرج الذرائع.
ويمتد البعد العربي–الإسلامي في العدد عبر مقال الدكتور عبد النور آيت بعزيز: «بني ورتلان من خلال الورتلاني»، بوصفه وفاءً معرفيًا لدورٍ إصلاحي وسياسي وفكري عابر للحدود، واستعادة لجانب من سيرة رجلٍ ارتبط اسمه بنصرة المظلومين وبالحركات الإصلاحية، وبما يفتح الباب لتجديد الصلات بين اليمن والجزائر على قاعدة المعرفة والاعتراف المتبادل. وبموازاة ذلك، ينتقل القارئ إلى الواحة الشعرية في دراسة الأستاذ محمد الوريث عن الشاعر أبي دهبل الجمحي، حيث تُقدَّم تجربة الحنين والوجد بوصفها طاقة إنسانية نابضة، تمتزج فيها سيرة الشاعر بظروفه السياسية والعقدية، ويُستعاد الشعر هنا كصوتٍ للوجدان لا مجرد مادة للتذوق.
ويُختتم العدد بترجمة الوثائق البريطانية المتعلقة بأحداث عام 1905م، في لحظة صراع شديدة الحساسية بين الإمام يحيى والسلطة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد، لتُضاف “عين الوثيقة الأجنبية” إلى عين الرواية المحلية، بما يمنح القارئ فرصة رؤية الحدث من زاوية أخرى، ويُرسّخ قيمة الوثائق في بناء تاريخٍ أكثر اتزانًا.
مدير التحرير
تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:
❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.
❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.
❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.
❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.
❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.
❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.
❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة للتواصل مع الكاتب .