العدد 33

هذا العدد

يأتي هذا العدد من المسار في سياق فكري مضطرب، ساعيًا إلى ترميم الوعي عبر مراجعات نقدية للتاريخ والخطاب والفكر. وتتنوع مقالاته بين تنقية وقائع تاريخية أسيء توظيفها، ومعالجة العنف في الخطاب الديني، والتنبيه إلى أثر التربية المبكرة في بناء الإنسان السليم. كما يفتح نافذة على التراث النقدي والفلسفي بوصفه أداة تهذيب لا هدم، ويختتم بمواد وثائقية تكشف وجوهًا خفية من التاريخ المعاصر. وبهذا يؤكد العدد أن المعرفة الجادة مدخلٌ ضروري لاستعادة التوازن وبناء وعي مسؤول.

يصدر العدد الثالث والثلاثون موشَّحاً بحزنه، مطوياً على ألمه، بعد أن فقد فارساً ولا كلّ الفرسان، وقلماً ولا كلّ الأقلام، وعلماً ولا كلّ الأعلام، وما كانت وفاته وفاة شخص عظيم، ولا بنيان قوم تهدّما، كما يقول الشاعر العربي القديم، ولكنه إلى جانب ذلك كلّه انهيار جبل من الجبال الرواسي، تلك التي تحفظ الفكر الإسلامي من أن يميد، وتقيه عاصفاً مُغيراً، أو بركاناً هاجماً، فكان لسعة شعابه وثبات أصوله وشموخ قمته قدرة على امتصاص سورة الهجوم، وعاصف الاندفاع، ويتركه حصيداً بعد أن يأخذ منه ما يستفيد منه الزهر النضير، والحقل الوريق، والطلع النضيد، فتمتد ظلاله وأفياؤه على المروج الوسيعة فتثمر اليانع من الشجر، والزهر والثمر، وتغني البيادر بمحصول وفير من فنون المعرفة، وأفانين الأدب.

إنه «محمد فتحي عثمان» رجل الفكر والأدب والإنسان، وأحد كتاب هذه المجلة الكبار الكبار، فقدته المسار، وفقده المصير، وهما أحوج، في معترك اليقظة، ما يكونان إلى إرشاده وتوجيهه، ومساهماته، ولن تقدر «المسار» مهما بذلت من جهد أن توفي الراحل العظيم حقّاً من حقوقه حتى لو خصّصت له عدداً، بل أعداداً من هذه المجلة؛ فهو لسعة معلوماته بحراً بدون نهاية، من الصعوبة بمكان أن نلمّ بشواطئه البعيدة، أو نسبر تياراته العميقة، وحسب مجلة المسار – وهي تبكيه وتنتحب عليه – أن تشير إليه كما يشير العيّ إلى جبل شامخ عجز أن يرقى إليه.

وإذا كان ولا بدّ من كلمة تعريف بهذا الرجل الفذّ، فقد تولّى أديبنا وشاعرنا ومفكّرنا الكبير «قاسم بن علي الوزير» رثاءه بكلمات معبّرة صادقة رفيعة الإيقاع، بليغة الأداء، تحدث فيها باختصار عن رفيقه وصديقه الراحل، بما يثير اللوعة ويذكي الشجون، إنها لكلمةُ وفاءٍ لصديقٍ كان الوفاء عنده دَيْناً، ولأديبٍ كان الأدبُ عنده رسالة، ولمفكّرٍ كان الفكر عنده منهجاً، فرحم الله الراحل الكبير رحمة الأبرار، وعوّض الأمة بمن يكمل المسيرة، ويتابع الطريق.

يرثى الأستاذ قاسم الوزير في هذا المقال الفكر محمد فتحي عثمان، وهو عالم مصري ولد عام 1928م ونشأ وترعرع في ظروف حركة النهضة التي أطلقتها مدرسة جمال الدين ومحمد عبده. ولم يكن – حسب الكاتب - علامة ولا مفكراً ولا أديباً فحسب.. كان كل ذلك في ائتلاف نادر لتلك المؤهلات جميعاً، وقبل ذلك وبعده كان إنساناً رائعاً تتألق سجاياه وتجعل منه نموذجاً أخلاقياً رفيعاً لما يجب أن يكون عليه الإنسان.
يتناول هذا العدد إشكالية خطيرة أسهمت في تشويه الوعي المذهبي، عبر ما دُسَّ في بعض كتب التراث من نصوص منتحلة وتصحيـفات وزيادات أفضت إلى تكريس مفاهيم مغلوطة. ويأتي مقال «في الينابيع الزيدية» تنبيهًا علميًّا إلى هذه المعضلة، داعيًا إلى مراجعة نقدية رصينة تُعيد النصوص إلى أصولها، وتُنقّي التراث مما علق به، تمهيدًا لبناء يقين معرفي سليم.
يقدّم هذا العدد كشفًا علميًّا مهمًّا للأستاذ حسن أنصاري، يتمثل في العثور على بقية كتاب للإمام أبي الحسين الهاروني، تضم فتاوى وُجّهت إلى المؤيد بالله في شأن الباطنية الإسماعيلية، حفظها ردٌّ للداعي أحمد حميد الدين الكرماني. وتُنشر هذه المادة بوصفها إعادة بناء للتاريخ لا تبنّيًا لآرائه، مع تأكيد رفض التكفير والدعوة إلى موازنة علمية بعرض وجهتي النظر.
يتناول هذا العدد قضية التصوير والزخرفة في بحث للدكتور بركات محمد مراد، يناقش فيه إشكالية تحريم التصوير بوصفها عائقًا أمام الإبداع الفني. ويبرز البحث المفارقة التاريخية المتمثلة في أن رائد علم التصوير هو العالم المسلم الحسن بن الهيثم، صاحب الإسهام المؤسس في مبدأ الكاميرا، داعيًا إلى إعادة النظر في مواقف فقهية ما زالت تحجب الفن والعقل عن نورهما.
يتضمن هذا العدد ترجمة علمية وافية للعلّامة الراحل الدكتور إبراهيم السامرائي، أحد أعلام العربية واللغات السامية، كتبها تلميذه المحقق عبد الله السريحي. وتكشف الترجمة عن عالم نذر عمره للبحث والتنقيب وخدمة اللغة، حتى ختم مسيرته بالعطاء. ويكفي للدلالة على مكانته تحقيقه الرصين للجزء الأول من «معجم البلدان»، وهو عمل لا ينهض به إلا راسخ العلم طويل النفس.
تكشف الدراسة أن مشروع الإمام يحيى لبناء الدولة مطلع القرن العشرين، والذي استند إلى تصور للإمامة بوصفها امتدادًا لنيابة آل البيت، اعتمد على إنشاء مؤسسات حديثة لترسيخ السلطة والولاء، وفي مقدمتها مدرسة الأيتام. غير أن هذه المدرسة، التي أرادها أداة لصناعة نخبة موالية، تحولت تاريخيًا إلى بؤرة وعي جديد، وأسهمت في تكوين أول جيل من الثوريين، لتغدو إحدى المفارقات الكبرى في مشروعه الإصلاحي.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .