العدد 49

هذا العدد

مر على الثورة الدستورية حوالي 70 عامًا ويكاد الناس ينسون أسبابها ودوافعها ونضال أبنائها، واستشهاد علمائها ومثقفيها، ولا يذكرها بعضهم -إن أحسنوا الظن-إلا أنها الثورة الأم التي تمخضت عنها بقية الثورات والانقلابات دون أن يذكروا أسبابها وما أحدثته من تغيير في الفقه السياسي السائد ، حيث سلبت من الإمام حقق القداسة، كما أن البعض لا يعتبرها إلا استبدالَ إمامٍ بـإمام أو تطاحن أسر. وما ذلك إلا لنقص المعرفة بمضامينها التي لم تتناول بدراسة، وإنما حاموا حول الشخصيات يقيسون الثورة من خلال الرجال ولم يقيسوا الرجال من خلال المضامين، مما أثبت أن عبادة الشخصيات هي المستأثرة بالمفاهيم.

يفتتح هذا العدد من «مجلة المسار» على نبرة وفاءٍ إنساني وفكري، باستحضار سيرة عالمٍ ومفكّرٍ استثنائي، هو طه جابر العلواني، الذي شكّل رحيله خسارة فادحة في زمن يضطرب فيه الفكر، ويشتد فيه التطرف والتمذهب، وتشتد الحاجة إلى العقل المستنير والأخلاق العليا. لم يكن الراحل فقيهًا أو مفسرًا فحسب، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا، وفيلسوفًا من طراز فريد، تخصّص في ما يمكن تسميته بـ«رسالة الفكر القرآني الكونية»، متجاوزًا حدود التجديد التراثي إلى آفاق الإبداع الفكري المرتبط بالزمن والإنسان والكون.

وقد تميّزت تجربته بقدرة نادرة على الجمع بين العمق العلمي، والنزاهة الأخلاقية، والانفتاح الإنساني؛ فكان داعية إلى الإخاء الإنساني، نابذًا للطائفية، وداعية إلى الإخاء الإسلامي، رافضًا لتحويل المذهبية إلى أداة صراع. ومن أبرز ما خلّفه مشروعه الجريء لمعالجة الخلاف المذهبي في روايات الحديث النبوي، عبر عمل علمي جماعي مؤسسي، يعيد للقرآن هيمنته المرجعية، ويحوّل السنة من أداة فرقة إلى وسيلة وحدة، ويكشف أن المتفق عليه بين المسلمين أوسع بكثير مما يُتوهّم من المختلف فيه.

كما يأتي هذا العدد من «مجلة المسار» في سياقٍ يستدعي استعادة الذاكرة النقدية، لا الذاكرة الاحتفالية، ويهدف إلى إعادة فتح ملفات تاريخية وفكرية كبرى كادت أن تُطوى تحت ركام التبسيط، أو تُختزل في صراعات أشخاص وأسماء، بعيدًا عن المضامين العميقة التي صنعت التحوّل ودفعت ثمنه نخبٌ من العلماء والمثقفين والمصلحين. ومع مرور عقود على أحداث مفصلية في التاريخ اليمني الحديث، وفي مقدمتها الثورة الدستورية، بات من الضروري إعادة قراءتها قراءة معرفية واعية، تُقاس فيها الوقائع بمحتواها لا برجالها، وتُفهم فيها المشاريع من خلال نصوصها وأهدافها لا عبر الاصطفافات اللاحقة.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا العدد إلى كسر هيمنة “عبادة الشخصيات” في قراءة التاريخ، وإلى إبراز الأبعاد الدستورية والفكرية والسياسية التي غُيِّبت أو هُمِّشت، سواء في تجربة الثورة الدستورية، أو في تطور الفقه السياسي، أو في الصراع بين التديين والتمدين. كما يعمل على وصل الماضي بالحاضر عبر نصوص تراثية مؤسسة، ووثائق تاريخية كاشفة، ودراسات تحليلية تعيد الاعتبار للعقل النقدي، بوصفه الأداة الأجدر بفهم التحولات، واستخلاص الدروس، وبناء وعيٍ تاريخي لا يكرر الأخطاء، ولا يكتفي بتقديس النتائج دون مساءلة المسارات.

بهذا المدخل، يفتح العدد صفحاته لقراءة متعددة الزوايا، لا تهدف إلى الإدانة ولا إلى التبرير، بل إلى الفهم والتقويم، إيمانًا بأن النهضة تبدأ من سؤال صريح عن الماضي، وبأن تحرير الوعي شرطٌ لتحرير المستقبل.

مدير التحرير

آن لمقلتي أن تدمع، ولقلبي أن يخشع، فقد هوى نجمٌ يُسترشد به، رحل مفكر إنسان، عز له النضير، في وقت نحن أحوج ما نكون إلى فكره المستنير، وأخلاقه العليا، وسلوكه الفريد. لقد التحق (طاهر جابر العلواني) بربه، مخلفاً وراءه نوراً نهتدي به في متاهات الطريق. رحل عنا ونحن في زمن يضطرب فيه التطرف والتمذهب اضطراب الموج الثائر، والإعصار المدمر، ولكني لن أقول إلا ما يرضي الله، ولا يعزيني عن فقده إلاّ اليقين بلحاقي به، فعزاءً على مصابه، وصبراً على فراقه.
في حديثه عن المعارضة اليمنية في القاهرة ودورها في «الثورة الدستورية اليمنية» كشف رئيس التحرير - وهو من شهود تلك الفترة - عن دور يكاد يكون مجهولاً، مع أن له الفضل في تغيير المضمون السياسي من التديين إلى التمدين. وبهذا يكشف تاريخاً مطوياً، لم يتم تناوله من قبل. وقد تضمن المقال أسماء بعض قيادات المعارضة وسجل جانبا من مواقفهم.
يعد ما يعرف بحديث الثقلين ركيزة مُرة للخلافات، استفادت منه السلطة السياسية فأضرمت ناره وسعّرت لهبه، واتخذت منه سلماً للحكم، وجعلت منه عماداً دينياً للهيمنة الروحية، ولو لم يكن سياسياً لبقي وجهة نظر مختلفة شأن أي حديث مختلفٍ فيه. لهذا وجه الكاتب قلمه الاستقصائي إلى راسة هذا الحديث من مختلف جوانبه العمية رواية ودلالة، وجمع حوله من الدقائق والحقائق ما جعله بحثا مميزا بجدارة.
يتناول المقال جانبا من الحياة الأدبية للشاعر الثائر محمد محمود الزبيري، مع استعراض بعض القصائد المميزة التي اشتهر بها الشاعر. كانت ولا تزال تمثل صوتا مجلجلا للثورة، ولا تزال الأجيال ترددها إلى اليوم بكل فخر واعتزاز. وفي هذا الصدد يرى الأديب الناقد زيد الوزير أننا بحاجة إلى أن نعطي زعماءنا حقوقهم الكاملة، وصفاتهم الحقيقية، وإذا لم نقل أن "النعمان" و"الزبيري" و"المسمري" هم آباء الأحرار، فذلك لا ينقص من مقدارهم شيئاً.
قدم مدير التحرير نصاً فقهيا إداريا عن «الاحتساب» كتبه الإمام «الناصر الأطروش» (تـ304هـ) وهو الذي قال عنه معاصره الإمام الطبري: «لم ير الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق». والنص عبارة عن وثيقة تشرح كيف يتعين على الحاكم أدارة شؤن الرعية وينظم حياتهم، ويجرى فيهم الإصلاحات ويطبق الأحكام، كل ذلك في ضوء مقتضيات الشريعة ومستجدات الحياة.
في يونيو 1904م، وقعت أحداث كبيرة، منها وفاة الإمام المنصور وتولي ابنه الإمام المتوكل الإمامة. خلال عام تمكن المتوكل من دخول صنعاء منتصرًا في 23 ربيع الأول 1323هـ/28 مايو 1905م، لكنه أُخرج منها على يد المشير “أحمد فيضي” في 30 جمادى الآخرة 1323هـ/1 سبتمبر 1905م. ثم جاءت معركة “شهارة” وهزيمة العثمانيين في 5 شوال 1323هـ/3 ديسمبر 1905م. الوثائق البريطانية كشفت تفاصيل هذه الفترة التي لم يتناولها أي مؤلف يمني معاصر.
يتحدث المقال عن «نظرية المال عند الزيديين». فيعرض تطوّر مفهوم المال في الإسلام من كونه ملكًا عامًا للأمة يُدار بالشورى إلى احتكاره من السلطة عبر مفهوم “مال الله” و“خليفة الله”، ما أدى لظهور الاستبداد المالي. في المقابل، يبرز النموذج الزيدي الذي يجعل المال وسيلة للعدالة الاجتماعية، يقيّد الملكية، يمنع التكديس، ويعطي الأمة حق مراقبة الحاكم ومقاومته عند الظلم، مع تطبيقات تاريخية لدى أئمة الزيدية في اليمن.

قواعد النشر

لكي يتحقق الإبداع​

تدعو مجلة المسار الكتَّاب والباحثين الراغبين في النشر بالمجلة إلى إرسال بحوثهم ودراساتهم إلى بريدها الإلكتروني بأيٍّ من اللغتين العربية أو الإنكليزية. وترجو مراعاة القواعد الآتية:

❶ ألا يكون البحث قد نشر من قبل على أيِّ صورة، ولا مرسلًا إلى جهة أخرى، ويعتبر إرسال البحث إلى المجلة تعهدًا بذلك.

❷ يُشعر أصحاب البحوث الواردة بوصولها إلى المجلة خلال عشرة أيام، وفي حال اعتمادها لا يسمح بنشرها في مكان آخر إلا بإذن من المجلة.

❸ لا يزيد المقال عن (10000 كلمة ولا يقل عن 5000 كلمة) ما لم يكن معداً لأكثر من عدد.

❹ يتقيد البحث بالقواعد العلمية في موضوعه ومنهجه وعرضه ومصادره، ويكون سليم اللغة، دقيق التوثيق، مع الالتزام بعلامات الترقيم المتعارف عليها.

❺ تكون الهوامش في نهاية الصفحة أو في نهاية البحث لا في صلبه، وتُرقَّم بالتسلسل الرقمي على التوالي حتى نهاية البحث.

❻ أن يكون البحث مطبوعًا ومصححًا تصحيحًا كاملًا، والعهدة في ذلك على الكاتب، وتعبر المقالات عن آراء كتَّابها ولا تعكس بالضرورة رأي المجلة أو المركز.
❼ يخضع ترتيب البحوث وتنسيقها في المجلة لاعتبارات فنية. ويعطى صاحب البحث المنشور ثلاث نسخ من عدد المجلة الذي نشر فيه بحثه، في حال طبعها ورقياً.

❽ يرفق بالبحث تعريفا موجزا بالكاتب، مع بريد إلكتروني أو وسيلة تواصل صالحة  للتواصل مع الكاتب .